عبد العزيز عتيق
98
علم البديع
ومن الغلو المقبول أيضا ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة ، كقول القائل : أسكر بالأمس إن عزمت على الشر * ب غدا إن ذا من العجب ! * * * ومن كلام السكاكي السابق يتضح أن المبالغة المقبولة عنده هو ومن لفّ لفّه تنحصر في التبليغ ، والإغراق ، والغلو . فإذا كان الوصف المدعى ممكنا عقلا وعادة فهو التبليغ ، وإذا كان ممكنا عقلا لا عادة فهو الإغراق ، وإذا كان ممتنعا عقلا وعادة فهو الغلو . كما يتضح أنه يرى أن هناك أصنافا من الغلو مقبولة ، منها ما أدخل عليه ما يقربه إلى الصحة نحو لفظة « يكاد » ، ومنها ما تضمن نوعا حسنا من التخييل ، ومنها ما اجتمع فيه الأمران ، ومنها ما أخرج مخرج الهزل والخلاعة . فالسكاكي ومعه الخطيب القزويني يعدان المبالغة بأنواعها الثلاثة من تبليغ وإغراق وغلو فنا واحدا من فنون البديع المعنوي . ولكننا نرى أن المتأخرين من أصحاب البديع يعدون كلا من المبالغة بمعنى التبليغ ، والإغراق ، والغلو فنا بديعيا قائما بذاته . ولذلك فهم يقصرون المبالغة على التبليغ بمفهومه عند السكاكي ، أي إمكان وقوع الوصف المدعى عقلا وعادة ، أو كما يقولون في تعريفهم : هي الإفراط في وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة . واعتبار المتأخرين للمبالغة بأنواعها على أنها ثلاثة فنون بديعية مستقلة فيه تطوير لمفهوم ، المبالغة ، وهو أولى بالاتباع لأنه يميز كل فن عن الآخر ، ويحول دون اختلاطها وتداخل بعضها في بعض .